أحمد بن علي القلقشندي

66

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

سور حماة ، وهي بعيدة من البحر ، ويمرّ على فرسخ منها نهر كبير دون الفرات ، وبها بساتين قليلة وليس بها عنب ، وتمطر في الصيف ؛ وبجامعها منارة لم يعلم في الدنيا مثلها ، مبنية من حجر أحمر ودرجها نحو ثلاثمائة درجة ؛ وهي كبيرة الأضلاع ، عظيمة الأوضاع واسعة الأسفل وارتفاعها يقارب منارة الإسكندرية . وذكر في « مسالك الأبصار » عن الشيخ برهان الدين بن الخلال البزيّ الكوفيّ : أن علوّها في نحو ستّمائة ذراع . وذكر عن الشيخ مبارك الأنباتي أن دلَّي مدائن جمعت ولكلّ مدينة منها اسم يخصّها ودلَّي واحدة منها . قال الشيخ أبو بكر ابن الخلال : وجملة ما يطلق عليه الآن اسم دلَّي إحدى وعشرون مدينة . قال الشيخ مبارك : وهي مميّلة طولا وعرضا ، ويكون دور عمرانها أربعين ميلا ، وبناؤها بالحجر والآجرّ ، وسقوفها بالخشب ، وأرضها مفروشة بحجر أبيض شبيه بالرّخام ، ولا يبنى بها أكثر من طبقتين وربما اقتصر على طبقة واحدة ، ولا يفرش دوره فيها بالرّخام إلا السلطان . قال : وفيها ألف مدرسة ، منها مدرسة واحدة للشافعية وباقيها للحنفية ، وبها نحو سبعين بيمارستانا ، وتسمّى بها دور الشفاء ! وبها وببلادها من الرّبط والخوانق نحو ألفين ، وفيها الزيارات العظيمة ، والأسواق الممتدّة ، والحمّامات الكثيرة ؛ وشرب أهلها من ماء المطر ، تجتمع الأمطار فيها في أحواض وسيعة كلّ حوض قطره غلوة ( 1 ) سهم أو أكثر . أما مياه الاستعمال وشرب الدواب فمن آبار قريبة المستقى ، أطول ما فيها سبعة أذرع . وقد صارت دلَّي قاعدة لجميع الهند [ ومستقرّ السلطان ] وبها قصور ومنازل خاصّة بسكنه وسكن حريمه ، ومقاصير جواريه وحظاياه وبيوت خدمه ومماليكه ، لا يسكن معه أحد من الخانات ولا من الأمراء ، ولا يكون بها أحد منهم إلا إذا حضر للخدمة ثم ينصرف كلّ واحد منهم إلى بيته . ولها بساتين من جهاتها الثلاث : الشرق ، والجنوب ، والشّمال على استقامة . كل خط اثنا عشر ميلا ، أما الجهة الغربية فعاطلة من ذلك لمقاربة جبل لهابة . ووراء ذلك مدن وأقاليم متعدّدة .

--> ( 1 ) غلوة سهم : الغلوة : قدر رمية بسهم . أنظر لسان العرب ، مادة ( غلا ) .